ابن كثير

330

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا . وقوله تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال ابن عباس : يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها ، وما يحل بأهلها مما يبتلي اللّه به عباده ليتوبوا إليه . وروي مثله عن أبي بن كعب وأبي العالية والحسن وإبراهيم النخعي والضحاك وعلقمة وعطية ومجاهد وقتادة وعبد الكريم الجزري وخصيف . وقال ابن عباس في رواية عنه : يعني به إقامة الحدود عليهم . وقال البراء بن عازب ومجاهد وأبو عبيدة : يعني به عذاب القبر . وقال النسائي ، أخبرنا عمرو بن علي ، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ، وأبي عبيدة عن عبد اللّه وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال : سنون أصابتهم . وقال عبد اللّه ابن الإمام أحمد : حدثني عبد اللّه بن عمر القواريري ، حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عروة عن الحسن العوفي عن يحيى الجزار ، عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ قال : القمر والدخان قد مضيا والبطشة واللزام « 1 » ، ورواه مسلم من حديث شعبة به موقوفا نحوه . وعند البخاري « 2 » عن ابن مسعود نحوه . وقال عبد اللّه بن مسعود أيضا في رواية عنه : العذاب الأدنى ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر ، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم . قال السدي وغيره : لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير ، فأصيبوا أو غرموا ، ومنهم من جمع له الأمران . وقوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي لا أظلم ممن ذكره اللّه بآياته وبينها له ووضحها ، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها . قال قتادة : إياكم والإعراض عن ذكر اللّه ، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة ، وأعوز أشد العوز ، وعظم من أعظم الذنوب ، ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ أي سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام . وروى ابن جرير « 3 » : حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا محمد بن المبارك ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، حدثنا عبد العزيز بن عبيد اللّه عن عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول اللّه يقول : ثلاث من فعلهن فقد أجرم : من عقد لواء في غير حق ، أو عق والديه ، أو مشى مع ظالم ينصره فقد أجرم ، يقول اللّه تعالى : إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش به وهذا حديث غريب جدا .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صفات المنافقين حديث 42 ، وأحمد في المسند 5 / 128 . ( 2 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 44 ، باب 1 . ( 3 ) تفسير الطبري 10 / 249 .